September 10, 2021

نوري المسماري (2): عرض القذافي على صدام اللجوء وتابع محاكمته كمن يتابع مصيره

المصدر: صحيفة الحياة - ١٧ يوليو ٢٠١٢

المسماري: عرض القذافي على صدام اللجوء وتابع محاكمته كمن يتابع مصيره احتقر بلير ولم يعتبر مبارك نداً له وعلاقته مع عرفات وعباس بلا ودّ

أفسدت الشاشات هناءة المستبد. تنقل له ما حل بنظيره وصوره وتماثيله، كأنها تخبره عما سيكون. شاهد القذافي الآلة العسكرية الأميركية تقتلع نظام صدام حسين. كان يكرهه من الوريد الى الوريد، لكن المشهد كان أبعد من ذلك وأخطر. رآه لاحقاً يُقتاد الى المحاكمة ورآه يُعدَم. يكشف نوري المسماري أمين جهاز المراسم العامة الليبية ان معمر القذافي عرض على صدام اللجوء في ليبيا لتجنيب بلاده الحرب، وتابع لاحقاً فصول محاكمته كمن يتابع مصيره.

يروي المسماري ان صعود سيف الإسلام اصطدم برغبة والده في الاستمرار في الإمساك بكل الخيوط، كما اصطدم بمعارضة أشقائه على رغم تدخل والدتهم السيدة صفية.

يكشف المسماري ايضاً ان عمر المحيشي عضو مجلس قيادة الثورة حاول في كمبالا الدخول لقتل القذافي وهو نائم، لكن الحارس شهر سلاحه ومنعه. وينقل عن حراس ان القذافي وبعدما نجح في احضار المحيشي من المغرب، قال له أتينا بك تحت أرجلنا وأطلق النار عليه وأرداه.

ويقول المسماري ان القذافي لم يعتبر الرئيس حسني مبارك نداً له ولم يكنّ ودّاً للرئيس ياسر عرفات وأنه كان يصر على ان يكون كرسيه اعلى من كرسي زائره. وهنا نص الحلقة الثانية:

يقال ان القذافي خاف حين رأى صورة صدام حسين يُعدم؟

– هذا طبيعي، فقد يكون استنتج ان الديكتاتور لا يستطيع ان يحمي نفسه إلى ما لا نهاية، مهما كان عدد جيشه ومهما أحاط نفسه بآلة قمع لا ترحم. ليس بسيطاً على ديكتاتور أن يرى نظيره يُقتاد الى محكمة ثم يُعدم بعد إزالة صوره وتماثيله. قد يكون شعر بأن الحصانة الدائمة مجرد كذبة خصوصاً بعد الارتكابات الهائلة في حق المعارضين والمواطنين. كان القذافي يعرف بالتأكيد ما فعله على مدار عقود داخل ليبيا وخارجها.

كان يكره صدام؟

– كان يكرهه في شكل غريب. كان يشتمه وينعته بالغبي، ويقول عنه انه إنسان تافه متهور. ربما يرجع ذلك الى ان صدام ايضاً كان صاحب سلوك يوحي بالاستعلاء. ثم ان صدام لم يكن في وارد الاعتراف للقذافي بدور وزعامة. دعم القذافي أخصام صدام في العراق، فردّ صدام بدعم خصوم القذافي في تشاد. كانت العداوة بين الرجلين شديدة. قبل الغزو الاميركي للعراق في 2003 استقبل القذافي مبعوثاً أوفده صدام. قال للمبعوث انه لا يرى ان الأمور ستمر على خير. أعرب عن استعداده لاستضافة صدام في ليبيا، اذا كان ذلك يجنّب العراق ويلات الحرب، وقال إن صدام يستطيع اختيار مكان آخر اذا كان غير راغب في المجيء الى ليبيا. طبعاً لم يكن صدام في وارد المغادرة ولا يتخيل المرء ان يأتي ويقيم في ليبيا التي ساندت معارضيه وقدمت أسلحة الى إيران خلال حربها مع العراق. المبعوث العراقي أكد ان الاستعدادات لجبهة العدوان عالية ومثلها المعنويات، لكن القذافي لم يكن مقتنعاً.

في خطابه في القمة العربية في دمشق، توقع القذافي لبعض المشاركين مصيراً مشابهاً لصدام؟

– نعم قال لهم ذلك «سيأتي الدور عليكم وستتم محاكمتكم». الحقيقة انه كان خائفاً على نفسه. رأى ما فعله الأميركيون في أفغانستان والعراق فأدرك ان باستطاعة اميركا ان تقتلع نظاماً معادياً لها من جذوره.

ما الذي كان يقوله عن الرئيس حسني مبارك؟

– لم يعتبره يوماً نداً له، على رغم حجم مصر، كأنه كان يعتقد بأن مصر تحتاجه شخصياً. سمعته يردد ذات يوم: حين كنت أذهب الى مصر للقاء سيدهم جمال عبدالناصر، كان السادات ومبارك يؤديان لي التحية.

هل كان يساعد مبارك مادياً؟

– نعم.

ومَنْ ايضاً كان يساعد مِن الرؤساء العرب؟

– اعتقد تونس ومصر، ولا معلومات لديّ عن آخرين.

كيف كان يعامل ياسر عرفات؟

– كان يعامله كشخص عادي ويعتبره ضعيفاً. ربما كان يكره هالة عرفات كحامل قضية، او حرصه على إبقاء خطوطه مفتوحة مع جميع الزعماء العرب. وحصلت في فترة معينة برودة بينهما ودعم القذافي تنظيمات كانت تعادي عرفات وسياسته. قصة صبري البنا (ابو نضال) معروفة وكذلك قصة الانشقاق في حركة «فتح». كان (القذافي) يحرص دائماً في الوقوف او الجلوس على ان تكون له الأرجحية. يريد ان يكون مكانه مرموقاً اكثر من عرفات، وتكرر الأمر، خصوصاً مع الرئيس محمود عباس. كان التشدد في الموضوع الفلسطيني والمزايدة على عرفات جزءاً من أسلوب اعتمده القذافي كما اعتمده زعماء آخرون. كان الغرض من هذه المواقف التوظيف الداخلي وتلميع الصورة.

كان يكره عباس؟

– نعم وكان يعتبره ضعيفاً، ويتهمه بالتفريط بفلسطين وحقوق الفلسطينيين.

مَن كان يحب مِن الفلسطينيين؟

– احمد جبريل (الأمين العام للجبهة الشعبية- القيادة العامة) كان صديقه وكذلك مساعده طلال ناجي.

وكان يستقبل أحياناً سياسيين لبنانيين…

– نعم استقبل وليد جنبلاط وجورج حاوي وأسماء أخرى. زاره رئيس الجمهورية السابق امين الجميل وأعدّ له استقبالاً جيداً وكان النقاش محترماً. كان الجميّل رئيساً سابقاً وكنت أنا ملازماً له خلال زيارته. لفتنا ان القذافي عامله باحترام. للأمانة، امين الجميل تصرّف باحترام لموقعه كرئيس سابق وزعيم سياسي.

هل صحيح ان القذافي كان يخفض باب الخيمة لينحني الرئيس الداخل؟

– لا ليس صحيحاً. لكنه كان يحب التعالي عليهم ودائماً كان يريد كرسيه أعلى من كرسي ضيفه.

كيف كانت علاقته بطوني بلير؟

– في البداية كانت سيئة. استقبله في الواقع برسالة تحقير. وضع رجلاً على رجل بحيث صار حذاؤه مقابل وجه الزائر، وكان يعرف بوجود الكاميرات ويقصد ذلك. لاحقاً تحولت العلاقة بين الرجلين صداقة حميمة وبتشجيع من سيف الإسلام.

هل سمعتَ منه ان سيف الإسلام سيكون وريثه؟

– كان سيف الإسلام مجهّزاً لهذا، لكن شقيقه المعتصم بالله لم يكن راضياً وألّف «لوبي» هو وإخوته، ضم تحت جناحه الساعدي وهنيبعل وخميس حتى وصل الأمر الى مرحلة ان والدتهم صفية اجتمعت بهم وقالت لهم: أريد ان تكونوا وراء أخيكم سيف الإسلام لأنه الأخ الأكبر، فوقف الساعدي محتجاً وقال لها هذا بالنسبة لك وله.

هل سمعتَ من القذافي شيئاً يخص التوريث؟

– كلا لم اسمع، لكنه كان يجهز سيف الإسلام من دون ان يفرّط بسيطرته المطلقة على كل شيء. سيف الإسلام تسرّع في بعض الأحيان أو حاول تسريع الأمور، وكان القذافي يعيده الى جادة الصواب، بما معناه: ما دمتُ حياً فأنا الوحيد. في موضوع السلطة لا يتساهل القذافي، لا يعرف أولاده ولا يعرف أحداً.

هل تعتبره عاشق سلطة؟

– عاشق سلطة وعاشق نفسه، ولا يرحم في هذا المجال. حاول سيف الإسلام توسيع سيطرته فسحب البساط من تحته.

كيف كانت علاقته بزوجته وهو تزوج مرتين؟

– المرة الأولى بنت نوري خالد حاكم دار بوليس سبها وكان الزواج متسرّعاً ولأن أخاها خالد كان عضواً من الضباط الأحرار ولاحقاً تزوّج صفية، وهي كانت ممرّضة تعرّف إليها حين أجرى جراحة للزائدة في المنطقة الشرقية، وهي كانت مهتمة به فتزوجها وطلّق فتحية.

هل كانت علاقته مع صفية جيدة؟

– كان القذافي رجلاً بلا حدود او ضوابط. كان يفعل ما يحلو له. رجل متسلط ومبالغ ويعتبر ان ليس من حق احد ان يسأله او يراجعه. يفعل ما يريد وكانت هناك مشاكل كبيرة بينهما خصوصاً في المدة الأخيرة عندما كان هناك كلام عن علاقته بالنساء، أولاده كانوا مقتنعين بها. أتذكر مرة كنا في زيارة لدولة أوروبية شرقية وكان نجله المعتصم وكنا نريد ان نلغي شيئاً ينوي ان يفعله فقال المعتصم «اتركوه، دعوه يعيش حياته»، فأولاده اصبحوا مقتنعين بأنه مصرّ على العيش وفق أسلوبه.

هل شعرت مرة بأنه على خلاف مع صفية؟

– كثيراً، دائماً تحصل خلافات وكان يجلس كثيراً في البيت الذي دمره «الأطلسي» في باب العزيزية واعتقلوا بعد تدميره زوجتي وأبنائي وأحفادي. هذا بيت تحت الأرض، توجد فيه الخدمات والغلمان والوساخة. لديه هناك حجرات نوم ورياضة وحلاق ومطبخ. بيت كامل تحت الأرض ودهاليز تفضي الى الخارج. أحياناً كان يجلس هناك لشهر أو شهرين، ونحن نعرف انه حين يلازم ذلك المكان ينهمك بحياته الصاخبة والمخجلة.

هل كانت لديه أي مشاكل صحية؟

– كانت لديه صعوبة في التنفس.

هل أجرى جراحات تجميلية؟

– أجل، في الأصل شعره خفيف جداً. تردد انه استعان بطبيب برازيلي لهذا الغرض. كان يتذرع بأنه غاضب ومعتكف، ويستنكف عن استقبال الناس للاهتمام بأموره وقصصه. كان يكره ان تتكاثر التجاعيد في وجهه، ويأخذ حقن «بوتوكس» دائماً.

هل هو شجاع شخصياً؟

– جبان، لكنه يدعي الشجاعة. كنا حين نذهب الى مؤتمرات يطلب منا قبل كل شيء اكتشاف المخارج الاضافية، ويقول ضعوا عليها حراساً ويجب ان تكون معكم مصابيح واذا انطفأ النور تضيئون مصابيحكم والذين يجلسون بجانب البوابات يرسلون إشارات لنعرف ان هناك بوابة للخروج منها. إنه جبان. أنا حين قلت إنه لن يترك ليبيا قلت ذلك لأنني اعرفه عنيداً ومتشبثاً ولا يمكن ان يستسلم. لا يستطيع تخيل الحياة خارج السلطة، وهذا ليس نتيجة شجاعة. كان يأخذ حبوباً معينة تعطيه معنويات وشعوراً بالشجاعة والقوة.

من جاءه بهذه الحبوب؟

– أعتقد عبدالله السنوسي. كان يأخذها دائماً وأثناء الحرب كانوا يعطونها للجيش، هي ليست حبوب هلوسة، انها ترفع المعنويات.

هل كان يأخذها حين كنت معه؟

– نعم.

ماذا يفعل حين يغضب؟

– حين يغضب لا يمكن أحداً ان يقابله بأي شكل، بانتظار ان يرتاح وكي يرتاح لا بد من ان يصطدم بأحد ليفرّغ شحنة غضبه.

هل يكسر شيئاً اذا غضب؟

– لا، ليست لديه هذه العادة، يحب أن يهين أحداً فيرتاح. حتى أمام الرؤساء كان يرمي ملفات على الأرض ليلتقطها مساعدوه.

هل حصلت معك؟

– لا، حصلت مع المسكين بشير صالح رئيس ديوانه.

هل اصطدمت معه؟

– نعم كثيراً، ومرات كان يلكمني.

وحين يغضب منك؟

– يرسلني الى السجن.

هل مد يده عليك؟

– لا هذه يفعلها مع الجميع ليثبت انه شعبي… يقول اذهب هناك اذهب. اتذكر مرة في السبعينات كان على خلاف مع ياسر عرفات، كان لدينا احتفال في ذكرى جلاء الأميركيين في 11 حزيران (يونيو) في قاعدة معيتيقة. كان معنا الرئيس عرفات. حين وصلتُ وجدت طائرات «ميراج» وبجانبها جمل بأمر منه (القذافي)، كان هناك عزوف من الطلاب عن دخول الكليات العسكرية، كانوا يريدون كليات مدنية. شعرت بأن الجو غير طبيعي، وكان معي ضابط اسمه سعد مسعود آمر الحرس الخاص. قلت له: يا سعد اذهب استقبل الرئيس، فقال لي: لا، اذهب انت. كان القذافي مرتدياً ثياب طياري الهليكوبتر ولونها أحمر، وحين تقدمت منه لكمني وقال اذهب هناك. ولاحقاً حين تقدم طلاب المدارس من المنصة امام ياسر عرفات وطيّروا حماماً ابيض، جنّ جنون القذافي، والتفت الى آمر القوات الجوية صالح الفرجاني وقال له لديك شهر سجن. لماذا تطلقون حمام سلام؟ وقعت حمامة بين رجليه فأمسكها بقسوة كمن يحاول قتلها وقال خذوها واربطوها. وحين ألقى خطابه قال: هذه طائراتكم مرمية والجِمال بجانبها… خذوا الجِمال واتركوا الطائرات ليأخذها أسيادكم. كان منزعجاً من عزوف الطلاب عن الكليات.

هل كان يكره الاسلاميين؟

– كثيراً، كان يكرههم ويشتمهم.

وكان يكره اسامة بن لادن…

– نعم وفي 1984 اتهموا بن لادن بأنه ارسل مجموعة من أفغانستان الى باب العزيزية لقتل القذافي.

ما هي محاولات الاغتيال التي تعرض لها؟

– هذه واحدة منها، وقتها حمّلها للمعارضة الاسلامية وبن لادن. دخل المنفذون في سيارات جمع القمامة الى بيته ولم يكن موجوداً. أعدم بسبب هذه المحاولة جميع أفراد الحرس الخاص. دخل المنفّذون وخرجوا ولم ينتبه إليهم أحد، وهو اعتبر ان ثمة تواطؤاً من الحرس، فأعدم جميع أفراده. لجأ المنفذون بعد الهجوم الى بناء، فقصفه الحرس الجمهوري بالدبابات بقيادة خليفة حنيش.

اين تعرّضَ ايضاً لمحاولة اغتيال؟

– تعرض لمحاولة انقلاب بقيادة ادريس الشهيبي الذي قتل في غارة جوية استهدفته أثناء محاولته الهروب الى مصر. وهناك انقلاب عمر المحيشي عضو مجلس قيادة الثورة والذي اختلف مع القذافي وراح ينسق مع عسكريين بهدف إطاحته. كانوا يخططون للانقلاب وكانت لدى القذافي معلومات أو شبهات فأخذهم جميعاً معه على متن الطائرة الى اوغندا ايام عيدي أمين، لحضور مؤتمر القمة في كمبالا في السبعينات. وأثناء اجتماعهم في منزل القائم بالأعمال محمود الباهي، كان القذافي يريد ان يذهب اليهم ليلاً لكن الحرس رفض. في الليلة ذاتها كان عمر المحيشي يريد الدخول على القذافي وهو نائم، والذي ظهر انه كان يريد قتله، وكان هناك ضابط صف ايامها، هو الآن عقيد اسمه مسعود الزغراد منعه من الدخول، قال له المحيشي أنا عضو مجلس قيادة الثورة وأريد الدخول فرفض وشهر سلاحه فتراجع المحيشي. وحين عادوا معه إلى ليبيا حصلت عملية الاعتقالات. هرب المحيشي ولاحقاً أتى به من المغرب في إطار صفقة، وقال له «أتينا بك تحت أرجلنا»، وقتله بنفسه بإطلاق النار عليه، كما روى لي الحراس بشيء من التباهي.

وهناك محاولة أخرى هي من أحد اقارب القذافي، وهو ضابط في الحرس وحين رأينا الفيديو اكتشفنا كم كان قتله شنيعاً. علّق القذافي جثث أقارب له قرب باب العزيزية.

تعني أنه كان يخاف؟

– اجل كان يخاف كثيراً. الأنفاق لا يمكن ان يدخلها والمصاعد كذلك وكان يُكثِر من الهبوط والإقلاع في المطارات حين نسافر لتفادي المسافات الطويلة، وكنت أتعب جداً.

كيف ذهب اذاً الى نيويورك؟

– كدتُ أصاب بالجنون على رغم خبرتي في الطيران. اضطررنا للتوقف في محطات، والقيام بعمليات التفاف لأنه لا يريد ان يمضي ساعات طويلة مسافراً فوق المحيط.

ما هي المثابة؟

– هناك مثابة ثورية ومثابة عالمية. المثابة العالمية كان يرأسها موسى كوسا وكان فيها اعضاء من مجموعة 7 ابريل (نيسان) التي شنقت الطلاب في الجامعات، وكان الوجه الأبرز عبدالسلام جلود رئيس اللجان الثورية.

ماذا عن حادثة 7 ابريل؟

– هذه تصفية للمعارضين للقذافي في الجامعات، شُنقوا من دون توقف.

من أخذ القرار؟

– القذافي، وجلود كان يشرف على التصفية.

كيف كانت العلاقة بينهما؟

– في البداية كانت ممتازة، ولاحقاً اصبح القذافي ينفرد بالسلطة، وجلود قال له مع السلامة، وجلس في بيته. حاول القذافي في الأحداث الأخيرة ان يأتي بجلود ليُشرف على العمليات العسكرية لكنه رفض.

هل جلود متورط بأحداث دموية؟

– متورط في 7 ابريل وكان آنذاك رئيساً لمكتب اللجان الثورية ولاحقاً اداروا المثابة العالمية وكانت تهتم بالخارج… انقلابات ومعسكرات.

اين عملت هذه المثابة؟

– في غرينادا وأنحاء عدة في اميركا اللاتينية وكوبا ونيكاراغوا، وكان دانيال اورتيغا تلميذاً في المثابة ولاحقاً عمِلَت في اوغندا وكان يوري موسيفيني خريج المثابة وكابيلا الأب كان من أعضائها.

هذا يعني ان موسى كوسا كان صانع انقلابات وثورات في العالم؟

– نعم، لقد امسك الامن الخارجي لمدة 12 سنة.

وهل كان القذافي يحب موسى؟

– نعم، كان موسى ذكياً.

ماذا عن ابراهيم البشاري؟

– ابراهيم البشاري الله يرحمه كان رئيس جهاز الأمن الخارجي، وكان هناك عداء بينه وبين موسى، وازدواجية بين المثابة والجهاز، لكنه كان جيداً.

ماذا عن عبدالله السنوسي؟

– أمامك طيب، محترم، جيد، كريم، لكنه دموي وينفذ إرادة سيده، ويزايد ويبالغ.

ما أخطر شيء فعله السنوسي؟ هل له علاقة بمجزرة سجن بو سليم التي أودت بأكثر من 1200 سجين؟

– طبعاً ونفذها بأمر من القذافي.

من كان يتخذ قرار الاغتيالات؟

– ليس هناك اغتيال لشخصية معروفة ومهمة إلا بأمر من القذافي، وأبصم على ذلك. مرةً قال لي موسى كوسا: أريدك فقلت له ماذا تريد؟ والله لم أتخاصم مع الرجل ولا اصطدمت به. وكان في كل مرة يقول لي هات الحقيبة وفيها ملابس ومعجون الأسنان فأعرف ان قراراً صدر بسجني. قال لي: لا لا، أنا أريدك في طريق الشط. قلت انت تخطط لمؤامرة، فضحِك وأصر على ذهابي. رئيس المخابرات الليبية يطلبني في طريق الشط وفي الليل نحو الساعة العاشرة هل يريد القذافي اغتيالي وموسى كوسا معروف. ذهبتُ الى طريق الشط بجانب الإذاعة الليبية فرأيته ومعه حقيبة فقلت له افتحها وإن شاء الله تنفجر ولكن بنا نحن الاثنين، وحين فتحها كان في داخلها أشرطة وتقارير، قلتُ له ما علاقتي بهذا، قال: «الجو مع المعلم زفت وأنا مختلف معه وهو غاضب عليّ ولا يريد رؤيتي»، فقلت له: اشرح لي عنها. قال: «هذه سلمني إياها وزير داخلية عربي وتتعلق باتصالات غرامية للرجل» (القذافي). أخذتُ الحقيبة وذهبتُ الى المهتمَّة بهذه الأمور وذهبتُ الى القذافي. قلت له أعطاني موسى حقيبة فيها كذا وكذا فقال هذا حمار وكذاب. وقال لي «أنا مشغول، إسمع الأشرطة أنت ومبروكة الشريف». كانت الرسائل والأشرطة تتعلق باتصالات يجريها القذافي مع فتيات في دول أخرى يكذبن عليه في ما يتعلق بهويتهن وموقعهن العائلي والاجتماعي.

في اي سنة ولدت؟

– 1948.

وأين درست؟

– في ليبيا وفي ايطاليا، درستُ الموارد البشرية، في ايطاليا درستُ ثلاث سنوات علوم سياسية ولاحقاً التحقتُ بدورات في عمليات الطيران. توليتُ منصب آمر المطار بعد الفاتح من سبتمبر 1969 ولاحقاً نقلت الى الخارجية في السلك الديبلوماسي، وكنت رئيس التشريفات بما يعني مساعد مدير المراسم، وبعد وفاته استلمت (منصب) مدير المراسم، ولديّ ماجستير إدارة. اشتغلتُ من 1977 حتى 1982 ومنها الى 1997 أعمالاً حرة، ثم عدت الى العمل مع القذافي في 1997 حتى مغادرتي التي سبقت اندلاع الثورة التي اطاحته.

 
تابع الحلقه (3):
نوري المسماري (3): شاهدتُ السيدتين المغتصبتين وخَجِلت وكانت ارتكابات القائد تُغطى بتعويضات

 نوري المسماري (3): شاهدتُ السيدتين المغتصبتين وخَجِلت وكانت ارتكابات القائد تُغطى بتعويضات

المصدر: صحيفة الحياة - ١٧ يوليو ٢٠١٢


المسماري: شاهدتُ السيدتين المغتصبتين وخَجِلت وكانت ارتكابات القائد تُغطى بتعويضات … استغربتُ المشهد فأجابني القذافي: أنت لا تعرف فوائد غسل اليدين بالدم الساخن

الحاكم إنسان. يصيب ويخطئ. يُسامح ويَحقد. يبالغ ويرتكب. يخطئ في السياسة ويخطئ في السلوك الشخصي. يناور ويكذب. عاقب الأميركيون رئيسهم ريتشارد نيكسون على فضيحة «ووترغيت». اعتبروا انه انتهك القانون وكذب على مواطنيه وأخلّ بثقتهم. قبلها تسلّى الأميركيون بقراءة مغامرات الرئيس جون كينيدي وحديث المتسللات الى البيت الأبيض من باب سري، خلال غياب السيدة الأولى. انتسب الرئيس بيل كلينتون لاحقاً الى نادي مثيري الفضائح وحفظ العالم اسم صبية عادية أو أقل اسمها مونيكا لوينسكي. الرؤساء الفرنسيون لم يكونوا كلهم من قماشة شارل ديغول المهجوس بصناعة التاريخ ثم كتابته. تسلّى الفرنسيون بأخبار الرئيس فاليري جيسكار ديستان وقصة اصطدامه بسيارة بائع الحليب لدى عودته فجراً الى الإليزيه من زيارة ليلية غامضة. جاك شيراك لم تعوزه الجاذبية ولا الإشاعات. وفرنسوا ميتران كان جذاباً يجيد نصب الفخاخ، ومشت في جنازته زوجته وابنته من صديقته. هذه قصص حب وخيانات لم تغب عن سير قادة كثيرين بينهم ماوتسي تونغ الذي توهّم أنصاره ان وقته لا يتسع للمراهقات والمغامرات. لكن تلك القصص لم يخالطها العنف والقسر والسلوك السادي الفاحش.

القائد الليبي كان من قماشـة أخرى. كان عنيـفاً ومـريضاً. هذا ما يُظـهره حـديث نوري المسماري أمين جهاز المراسم عن سلوك معمر القذافي. كانت المناسبات تُفتـعل وتُلـتقط صـور الحاضرات. ثم يتم الاختيار وتُوكَل الى محترفات مهمة استدراج من وقع عليـهنّ الـخيار. لا ينقـل المـسماري عن آخـرين. ينـقل ما شـاهد وهـو فـظيع.

قصة أخرى كان يستحيل تصديقها لو لم يكن المسماري شاهداً عليها. إنها قصة إقحام القذافي يديه في صدر الغزال الذي اصطاده في رومانيا، وحديثه عن فوائد الدم الساخن. لم أعتد تسجيل هذه الجوانب في سلسلة «يتذكر»، لكنني رأيتُ أن نشرها يعطي فكرة واضحة عن شخصية رجل أدمى بلاده والعالم، منتهكاً كل القواعد والأعراف. وهنا نص الحلقة الثالثة من شهادة كاتم أسرار العقيد:

 من هم الرؤساء الذين كانت للقذافي علاقة جيدة معهم؟
– كانت علاقته بأمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني جيدة آنذاك. الأمير كان الوسيط في إعادة العلاقات بين القذافي والعاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز. حصلت هذه الوساطة في بيت الشيخ حمد في الدوحة، خلال عقد القمة العربية هناك وكنت موجوداً.

 هل قال السنوسي للملك عبدالله في اللقاء: «أنا خططت لاغتيالك ولكن من دون علم القائد؟».
– نعم، وفي الحقيقة كان اللقاء جيداً وفق ما شاهدت.

 هل كنت موجوداً في شرم الشيخ؟
– طبعاً.

 ما الذي حصل هناك؟
– القذافي ليس شخصاً سهلاً. فهو يتكلم أحياناً عن أمر بينما يقصد أمراً آخر. وكلامه يمكن أن يكون له تفسيران. منذ زمن كان القذافي يشتم اهل الخليج وبعبارات بالغة القسوة. في مؤتمر القمة كان يتحدث عن العراق، وقال: «انتم فرضتم على الأميركيين أن يأتوا الى الكويت. صدام اجتاح الكويت، والكويتيون «كويسين» وبأموالهم اشتروا الاميركيين وأحضروهم ليدافعوا عنهم – كلامه هذا كان فيه نوع من الشتيمة – ووضعتمونا امام الأمر الواقع، مثلما حصل في خليج الخنازير»، يقصد خليج الخنازير عندما اتى الأميركيون أيام كينيدي الى كوبا من أجل الصواريخ السوفياتية. وهنا حصل الإشكال بينه وبين الملك عبدالله الذي حمل على القذافي. أنا كنت أجلس وراءه كما افعل دائماً. حاولت ان اتحدث الى عبدالسلام التريكي الذي كان وزيراً للخارجية وخرج ورُفِعت الجلسة. حاول الرئيس علي عبدالله صالح تهدئة القذافي وطلب منه الدخول الى القاعة للتفاهم، فدفع القذافي علي صالح وكاد أن يطرحه أرضاً. حصل الإشكال لكنهم أصروا على دخول القذافي الى القاعة، فدخل إلى صالون الاستقبال وحاولوا تهدئة الموقف لكن العداء كان قد وقع. حاول القذافي إيجاد تبريرات وأنه كان يقصد خليج كوبا. قال إن اللوم كان يجب أن يقع عليه من جانب العراقيين لا من غيرهم. في ذلك اليوم كان جالساً على يساره أمير الكويت الحالي الشيخ صباح الأحمد الصباح، وكان آنذاك وزيراً للخارجية. التفت اليه القذافي لكن صباح الأحمد أخذها بهدوء.

 حصل الحادث وقرر القذافي التآمر لاغتيال الملك عبدالله؟
– لم أكن جزءاً من الدائرة الأمنية لأقول إنني شاهدت او سمعت.

 لكن متورطين اعتُقلوا في السعودية.
– طبعاً هناك أشخاص اعتُقلوا، أحدهم من مكتب سيف الإسلام القذافي وآخر من مكتب الساعدي القذافي.

 في رأيك هل يمكن أن ينفذوا عملية قتل بهذا الحجم من دون العودة الى القذافي؟
– الإساءة نعم، لكن القتل لا. لا بد من أمر من القذافي.

 هل سمعته مرة يتحدث عن السعودية؟
– نعم.

 لماذا كان يكرهها؟
– القذافي تربّى في بيئة فقيرة جداً. وأبوه كان راعي غنم عند والي فزّان أيام بداية الاستقلال الليبي، وكانت ليبيا مقسمة ثلاث ولايات: طرابلس الغرب وولاية برقة وولاية فزّان. وكان ولداً مشاغباً، يكره أي شخص ميسور الحال. ووالد قريبه أحمد قذاف الدم كان برتبة مقدم في القوة المتحركة، وكانوا ميسوري الحال ويساعدون عائلة معمر. معمر القذافي كان يحمل في نفسه كراهية لميسوري الحال، بخاصة الأنظمة الملكية. ثم هناك ثقل السعودية السياسي والاقتصادي والإسلامي. والقذافي علاوة على ذلك نزق وعنيف ويحب الدم كثيراً.

 اعطِنا دليلاً جديداً على دمويته.
– كنا في رحلة صيد في رومانيا، خلالها قُتل صالح بو فروة بالرصاص، وهو أحد الضباط الأحرار المقربين من القذافي، لكن هذه قصة طويلة.

 هل كانت عملية قتل مقصودة، أي هل اغتنموا رحلة الصيد لقتله؟
– نعم.

 مَنْ قتله، جماعة القذافي؟
– نعم. لعملية القتل هذه قصة تتعلق بموضوع أن والدة القذافي يهودية.

 صالح بو فروة قال إن أم القذافي يهودية؟
– وصلته معلومة من ايطاليا مع اوراق ومستندات متصلة تفيد بأن أم القذافي يهودية.

 وهل هي يهودية؟
– نعم.

 أنت تجزم بالأمر، فما السبب؟
– عمار ضو الذي كان سفيراً في ايطاليا وصلت اليه المعلومة ذاتها مع مستندات وغيرها، وبعد مغادرته ليبيا الى ايطاليا اغتيل ولفّقت التهمة بأن وراء تصفيته مَنْ كان يسميهم القذافي «الكلاب الضالة»، أي المعارضة الليبية، وهذا غير صحيح. كذلك الملحق الإعلامي اغتيل، لأنه كان على علم بهذه القضية.

 كل مَنْ كان على علم بأن والدة القذافي يهودية قُتِل؟
– نعم تمت تصفيتهم.

 هذا كان في رحلة الصيد في رومانيا، لكن في أي عام؟
– في الثمانين كما اعتقد، ايام تشاوشيسكو.

 هل كانت علاقة القذافي بتشاوشيسكو قوية؟
– نعم كانت قوية جداً، على رغم انه كانت هناك كراهية بين زوجة تشاوشيسكو والقذافي.

 ولماذا كانت تكرهه؟
– لا اعرف.

 قلتَ ان القذافي كان دموياً، كيف؟
– في تلك الرحلة أذكر انهم أتوا بالغزال الذي اصطاده القذافي. فلما فتحوا بطنه، أدخل القذافي يديه وراح يغسلهما بدم الغزال. كان المنظر رهيباً وغريباً. الصور لا تزال موجودة في ليبيا.

 غسلَ يديه بدم الغزال؟
– وضع كلتا يديه داخل بطن الغزال، وراح يغسلهما بالدم. انا من دون قصد سألته: لماذا تغسل يديك بالدم الوسخ؟ فقال: انت لا تعرف فوائد غسل اليدين بالدم وهو ساخن.

 هل تعتقد بأنه قتل أحداً بيده؟
– أعتقد.

 مثل مَنْ؟
– لا أريد ان أجزم في أحداث لم أكن شاهداً عليها، لكنه كان بلا شفقة.

 دليل آخر على غرابة القذافي…
– كان يعاني شذوذاً جنسياً رهيباً… غلمان وغيرهم.

 بما انك كنت مدير المراسم لديه، هل كانوا يحضرون له غلماناً إلى الخيمة؟
– كان معه غلمانه. كثيرون ممن كانوا معه كانوا غلماناً ويسمونهم «مجموعة الخدمات». هؤلاء كلهم كانوا غلماناً وضابطات وحريماً.

 كان يحب النساء كثيراً؟
– اعتقد بأنها كانت عملية سادية. أذكر مرة حين كنتُ في المكتب وردتني مكالمة من مسؤول امن الفندق يقول فيها ان ضيفة أفريقية مريضة وتريد أن تقابلني، فقلت للمتصل انني لست طبيباً ولا افهم بهذه الأمور. الفندق كان يتبع للمراسم. قلت له أن يتصل بطبيب ليراها. فقال: اعتقد يا سيد نوري ان من الأفضل أن تأتي. قلت له: ما قصتك أنت، هل تعطيني تعليمات؟ فقال: أنا لا أعطي تعليمات، أنصح بأن تراها أنت قبل أن يراها الطبيب.
عندها استقليت السيارة وتوجهت الى الفندق. ولما وصلت سألت الشخص الذي اتصل بي، ما حصل؟ فقال: اصعد الى الغرفة لترى بنفسك. دخلت على هذه السيدة وهي من نيجيريا وأذكر ان اسمها كان الدكتورة (…)، وكانت في حال يرثى لها. كانت في حال رهيبة، تعرضت للعض والنتش والدم يسيل، وآثار كدمات ظاهرة على جسدها، وكانت تبكي. سألتها ما بها، فقالت: هجم عليّ.
قلت لها: مَن هاجمك… في الفندق؟ فأجابت: لا. ذهبت لمقابلة القذافي وهجم عليَّ.

 ماذا فعلت؟
– طلبت ان يأتوا إليها بطبيب. اتصلت بأحمد رمضان وهو كان مدير مكتب القذافي لكنه أقرب من بشير صالح، وطلبت منه أن يرسل طبيب القيادة. تململ اولاً، لكنني أعدت الطلب. فقال: حاضر. ثم سألني لماذا طلبت طبيب القيادة، إذا كان بإمكانك احضار أي طبيب. فشرحت له الموضوع. ثم قابلت معمر القذافي وأخبرته بما حصل، فقال: فضّك منها. وقال ان هذه السيدة تكذب وأن المسألة عملية ابتزاز.

 قلتَ للقذافي ما حصل؟
– طبعاً. قلت ان المرأة موجودة وتدّعي كذا وكذا. فقال انها ربما فعلت ذلك بنفسها لتبتزّه. أجبتُ أن الموضوع يجب أن يُعالَج. فقال: حسناً اعطوها أي مبلغ… أذكر أن أحمد رمضان أرسل إليها مئة ألف دولار، فأقفل الموضوع.

 وهي قابلته بأي صفة؟
– كانت تقول انها دكتورة. عدا ذلك لا اعرف شيئاً.

 كانت طبيبة؟
– لا اعرف، لكنهم كانوا يسمونها الدكتورة. كان هناك شيء اسمه «الضيف الخاص» للقائد وهؤلاء لم تكن لي علاقة بهم باستثناء دفع تكاليف الفندق وغيره.

 كان هناك فندق تابع للمراسم؟
– في البداية كان «المهاري» تابعاً للمراسم، ثم صرنا نتعامل مع كل الفنادق.

 هل تذكر حوادث اخرى مماثلة؟
– حصلت اشياء كثيرة. الحادثة الثانية حصلت لزوجة رجل اعمال سويسري، وكادت أن تتحول كارثة كبرى، لكنها لاحقاً تلاشت وانتهت ذيولها.

 ما موضوع هذه الحادثة؟
– هذه سيدة ايرانية زوجة رجل سويسري مشارك في وفد من شركة إيرانية لتوظيف الأموال، قابَلَتْ السيدة القذافي ليلاً واعتدى عليها بعنف. عرفتُ الأمر بينما كنا عائدين في طائرة الوفد ولاحظنا ان الأمن المرافق للوفد اعتقل سيدة على الطائرة. كان معنا ايضاً محمد الحويج الذي تولى لاحقاً حقيبة المال.

 اين حصلت الحادثة؟
– في سرت، ولها تفاصيل ثانية. دخلت معهم في تفاوض على الطائرة، وعلى الطائرة عرفتُ ان زوجة السويسري هجم عليها القذافي وكانت في حال يرثى لها.

 كانت معكم على الطائرة؟
– نعم. كانت في غرفة النوم في الطائرة. أدخلني إليها زوجها، ووجدتها في حال يرثى لها، الدم يسيل منها، فأخبرتني بما حصل. قالت ان سيدة جاءت إليها واستدعتها للمقابلة، وكانت برفقتها ضابطة اسمها سالمة. وذهبوا الى المقابلة، وكانوا في البداية اخبروها بأنها دعوة، ولكن لاحقاً دخل القذافي ودعاها الى المكتب و «هجم» عليها بعنف. عندما دخلتُ للتحدث مع زوجة السويسري، دخل رجال الأمن (الذين كانوا بصحبة الوفد) وقبضوا على السيدة التي كانت برفقتنا وهي الوسيطة التي أحضرت الوفد.

 اعتقلوها في الجو؟
– نعم وكأنها عملية خطف. عندها قلت لهم: ما تفعلونه خطر، لأن الأمن والمخابرات يعرفون اننا غادرنا المطار بطائرتكم. وحصلت بيني وبين الزوج السويسري مشادّة. وقلت له ان ما تفعله خطأ، فقبل أن تخرج من الأجواء الليبية ستجد الطائرات الحربية تلاحقك.

 كان هناك حراس مع السويسريين؟
– نعم. كان معهم عناصر من الأمن الخاص بهم.

 هؤلاء العناصر هم من اعتقل المرأة الوسيطة؟
– نعم. المرأة التي كانت السبب في الاعتداء.

 كيف عالجتم الأمر؟
– قلت للزوج أولاً نحن لن نقبل التفاهم معك، قبل ان تفكوا الأغلال من يدي السيدة.

 هل كانت هذه السيدة ليبية؟
– عربية. قلت: ما ذنبها. هي عبد المأمور، ولا علاقة لها. وسألت زوجة السويسري، هل حاولت هذه السيدة إقناعك؟ فقالت لا. وسألتُ السيدة: هل قالوا لك انها دعوة، فقالت نعم. يعني ان لا علاقة لها بالأمر. ففكوا الأغلال. محمد الحويج كان خائفاً وجباناً وشبه ميت على الطائرة. حتى انه أشاد بي، وقال: بعمري لم أر بمثل شجاعة نوري في هذا الموقف. أقنعت الرجل بأن هذا خطأ، وبأن الطائرة ستلاحَق لأن شخصين ليبيين مهمَّين على متنها ولم تدخل أجواء طرابلس.

 لمَنْ كانت الطائرة؟
– لهم. نحن كانت لدينا طائرة، لكنهم أصروا على أن نرافقهم على متن طائرتهم لغاية في نفس يعقوب.

 الطائرة كانت سويسرية؟
– نعم. قلت له انت حر. اذا أردت ان تذهب فاذهب، لكن هذا سيسبب لك فضيحة في بلادك، وستتهم بعملية خطف ولن تستفيد. توصلنا الى حل. قال: أتعدني بأنكم لن تقبضوا عليّ في طرابلس. قلت: أعطيك كلمة شرف بألا يتم التعرض لك ولا لزوجتك ولا لأي شخص معك، وهذه الحادثة ستكون بيني وبينك. وقلت لحويج: إذا صدرت منك أي كلمة ستنتهي، فقال انه موافق على كل ما أقرره. نزلنا في مطار المعيتيقة ونزل الوفد وغادر السويسري وزوجته وكان خائفاً. وراح الوفد. كانوا احضروا لي هدية ساعة سويسرية، فقلت انني لا أتسلم الهدايا.

 هل طلبوا أموالاً؟
– هو طلب 20 مليون دولار تعويضاً عما تعرضت له زوجته. قلت له انني لا أتدخل في هذه الأمور.

 لم يقبض أموالاً؟
– لاحقاً، الحويج تابع العملية. والسيدة التي كانت معنا أخبرت القذافي بما حصل. وقالت: نوري تصرف وقام بكذا وكذا. وأعتقد بأن السيد عبدالحفيظ الزليطني الذي كان وزيراً للاقتصاد نظّم تعاوناً بين هذه المجموعة السويسرية وليبيا.

 هذا عملياً يعني انهم حصلوا على تعويض؟
– كان تعويضاً على شكل استثمار، وكانت للقذافي مواقف كثيرة في هذا الإطار. هو كان يحب الانتقام من الشخصيات من طريق زوجاتهم. أنا أستغرب كيف ان بـشير صالـح لم يـنـشق عن الـقذافي، وحتى عزالدين الهنشـيري الـذي كان وزيراً للأمـن الـعـام وكان في المخابرات ورئـيساً للحرس الثوري ثم رئيساً للحرس الخـاص. أستغرب كيف أنهـمـا لـم ينشقّا عنه، لأنني عـندما كنت أتخاصم مع القذافي وأُسجَن وأخرُج من السجن، كنت آتي الى مكتب بشير صالح وأكتب استقالتي وأقول انني سأغادر. كان بشير صالح والهنشيري يوصياني بالهدوء والتمهل ويقولان: عندما ستأتي اللحظة لهذا سنبلغك. كان هناك مخطط لدى الاثنين لكنهما لم يبلغاني به. وكانا يقولان انني مندفع ودائم الغضب، ويطلبان مني الهدوء، ويقولان ان الوقت لم يحِن بعد. لم أكن أعرف السبب. لكنني استغربتُ جداً عندما حصلت ثورة 17 فبراير المباركة ولم ينضما إليها.

 هل حاول القذافي ان يتحرش بوزيرة او غيرها؟ هو التقى كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الاميركية؟
– دعاها الى العشاء، ولمّا دخلت الى الجناح الخاص رأت صورتها وبألوان زيتية في إطار، معلّقة في جناحه. لمّا رأت الصورة فُجِعت. سألت ما هذا، فقال هذه صورتك بألوان زيتية. لكنني لا أعرف ماذا حصل. هذه واحدة. حاول القذافي التحرش بوزيرة خارجية إسبانيا باراسيو.

 وهل تسبب هذا الأمر في إشكال؟ هل حاول القذافي فعلاً التحرش بها؟
– العلاقة كانت متينة، لكن في الزيارات الخاصة أنا لا علاقة لي بها.

 هل هناك حوادث أخرى مماثلة لحادثتي النيجيرية والسويسرية؟
– الحوادث الأخلاقية دائماً كانت موجودة.

 وكان يدفع في النهاية؟
– نعم. مثلاً مرة استُدعِي بشير صالح الى الغابون من رئيسها عمر بونغو. كان صالح غير راضٍ، وحتى الهنشيري، عن تصرفات القذافي. قال لي بشير تعالَ أريد أن أراك في المكتب. فقلت له كيف تذهب الى الغابون وحدك، فأجاب انه لو لم يذهب لحصلت كارثة. وقال: حين دخلت على عمر بونغو أدار شريط تسجيل لمكالمة هاتفية بين القذافي المتصل وزوجته، وهي ابنة ساسو نغيسو رئيس كونغو- برازافيل. أصيبت المرأة لاحقاً بالجنون وانتقلت الى المغرب وماتت. وهي سيدة جميلة فعلاً. كان هناك كلام غزل بينها وبينه. فتُرت العلاقات بين البلدين وعادت لاحقاً بقدرة قادر. لم اسأل عن تفاصيل مكالمة الغزل. بشير صالح كان المسؤول. كان مسؤولاً اكثر من الآخرين في هذا الشأن، حتى لما حوّلوا الخارجية الليبية وقسموها الى الخارجية ووزارة الشؤون الأفريقية وكان التريكي وزير الخارجية للشؤون الأفريقية وعلاقته دائمة بالأفارقة، كان بشير متقدماً، وكان هناك دائماً صدام بين الرجلين في ما يتعلق بالعلاقات الأفريقية. كانت هناك أمور يقوم بها بشير صالح من دون علم التريكي، لأنه كان رئيس الديوان لدى القذافي، فيفعل ما يريد وعلاقته جيدة بالأفارقة ولونه أسمر مثلهم.

 كان القذافي يحب النساء والرجال؟
– طبعاً.

 عبدالمنعم الهوني قال سابقاً ان القذافي شاذ جنسياً؟
– هذا صحيح، وعبدالرحمن شلقم يقول إن القذافي سالب وموجب.

 هل حصل معه إشكال في موضوع الغلمان. هل اشتكى عليه أحد من الشبان؟
– سمعتُ، لكنني لم أكن حاضراً، لأن هذا الموضوع في قسم الخدمات، وما يدور حوله لا أعرفه.

 هل استقدموا له نساء من الخارج؟
– كانوا يأتون إليه بنساء أشكال ألوان، وهذه الأمور كانت مسؤولة عنها واحدة اسمها م.ا.

 تردد اسمها بعد سقوط القذافي؟
– هي كانت مسؤولة عن هذه الأمور. وصلت الى مرحلة انها أصبحت بمثابة مبعوث شخصي. كانت لها علاقة بسيسيليا ساركوزي وكانت واصلة في الإليزيه أكثر مني ومن وزير الخارجية ورئيس الحكومة، والسبب أن القذافي كان يعتبرها بمثابة المبعوث الشخصي له. بالغ القذافي في هذا الجانب، كان ينتقم من الأشخاص بالتعرّض لزوجاتهم. السيدة نفسها روت لي ان القذافي تحرش بشقيقة ساركوزي فاستاءت، وأن المقربين من القذافي حاولوا استرضاءها بعقد من الماس فرفضته.